الوقف.. رؤية اقتصادية
(1-3)
فلسفة الوقف
لا يخفى على المهتمين والباحثين ما انفردت به الحضارة الإسلامية من أنظمة وتشريعات تدل على تميزها وتطورها عن سائر الأمم والحضارات الأخرى. وليس أدل على ذلك من "نظام الوقف الإسلامي"، الذي حقق إنجازًا حضاريًّا، وتقدمًا معرفيًّا، ورقيًّا مدنيًّا، على كافة المستويات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية؛ لما له من خصائص وسمات فريدة تميزه عن غيره؛ من حيث اتساع مجالاته، وتنوع أساليبه، وقدرته على التطور وملائمة العصر.
مفهوم الوقف:
تذكر لنا معاجم اللغة العربية أن الوقف يعني: الحبس والمنع.
وفي الشرع يُراد به: الصدقة الجارية -أي: المستمرة على الدوام-. لأن صاحبها يبتغي بها استدامة الثواب وعدم انقطاعه؛ تقربًا إلى الله، ونيل رضاه.
وفي اصطلاح الفقهاء: تعددت فيه التعاريف؛ تبعًا لتعدد آرائهم في مسائله الجزئية؛ إلا أن أهمها وأشملها للمعنى الحقيقي، قولهم: الوقف: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة"(). وهذا التعريف أصله قول الرسول لعمر بن الخطاب --: «احبس أصلها، وسَبِّل ثمرتها»().
فقوله: "احبس" بمعنى: إمساك العين، ومنع تملكها بأي سبب من أسباب التمليك(). وقوله: "أصلها" أي: العين الموقوفة. وقوله: "وسَبِّل ثمرتها" أي: أطلق فوائد العين الموقوفة وعائداتها للجهة المقصودة من الوقف والمعنية به().
مشروعيته:
الأصل الشرعي للوقف قول النبي : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»()؛ حيث فسَّر العلماء "الصدقة الجارية" هنا: بأنها "الوقف"؛ لأن غيره من الصدقات لا يكون جاريًا. وأيضًا ما ورد من توجيه النبي لعمر بن الخطاب -- في كيفية التصرف في غنيمته من فتح خيبر، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أصاب عمر بخيبر أرضًا، فأتى النبي فقال: أصبتُ أرضًا، لم أُصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إن شئت حَبَّسْتَ أصلها، وتصدقت بها»، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه"(). وفي قوله : «إن شئت!» دلالة على أنه ليس بواجب؛ بل هو عملٌ احتسابي اختياري، يقوم به المرء محبة وإعانة في الدنيا، وجزءًا وثوابًا في الآخرة.
ظهوره كنظام:
عرفت الأمم السابقة -على اختلاف أديانها- أنواعًا من التصرفات المالية، لا تخرج في معناها العام عن ما يعرف عند المسلمين من معنى الوقف(). أما في الإسلام؛ فإن بداية ظهور الوقف كنظام؛ كان على عهد النبي ؛ إذ أوصى مخيريق اليهودي في أمواله وهي سبعة حوائط بالمدينة أن تكون لرسول الله إن قتل في أحد، يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل يوم أحد وهو على يهوديته، فقال النبي : «مخيريق خير يهود»، وقبض النبي تلك الحوائط السبعة، وجعلها أوقافًا بالمدينة لله تعالى، وكانت أوَّل وقفٍ بالمدينة؛ وذلك لاثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة().
ثم استمر الصحابة -رضوان الله عليهم- على ذلك؛ حتى قال جابر --: "لم يكن أحد من أصحاب النبي ذو مقدرة إلا وقف"، فالذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك، فلم ينكره أحد، فكان إجماعًا.
ثم تتابع على ذلك من جاء بعدهم من التابعين، وتابعيهم، والعهود الإسلامية إلى وقتنا الحاضر في العمل بالوقف، والاهتمام بمصالحه؛ حتى صار الوقف في الإسلام من أوسع دوائر الجبايات؛ فضلًا عن كونه من أعظم مصادر المال لنفع أهله().
مميزاته:
يتسم الوقف بعدة خصائص ومعالم تميزه عن غيره، وهي التي أكسبته تلك الحيوية التي استمر أثرها قرونًا طويلة، منها:
أولًا: أمواله متنوعة: فيدخل فيه:
ثانيًا: الاحتفاظ بأصله، والتصدق بعوائده: فهذه غاية الوقف الرئيسة: الإبقاء على عين الموقوفة للغرض الذي أوقفت عليه، وتقديم العوائد والمنافع من تلك العين للجهات الموقوف عليها.
ثالثًا: إعفاء عوائده من الضرائب: شريطة الالتزام بالقرارات الضريبية التي تصدر عن أي منظم إداري بأي دولة؛ من ناحية التسجيل، والإثبات، واستكمال المسوغات؛ حتى تحصل على الإعفاء المقرر. والحكم هنا للأعم الأغلب في كثير من الدول.
هذه الميزات وتلك الخصائص هي التي أدت إلى التراكم الوقفي الكبير خلال العصور السابقة، وشجعت على جعل الأوقاف أموالًا نامية، دائمة العوائد، متجددة المنافع، تؤتي أكله كل حين إذا ما صدقت النوايا. وهذا ما بدأ يتحقق فعلًا في كثير من البلدان العربية والإسلامية الآن؛ حيث عملت على فصل دوائر الأوقاف باعتبارها مؤسسات مستقلة تعنى بالوقف؛ من حيث ريعه، وتنميته، ومتابعته، وتحصيل غلته، وصرفه لمستحقيه، عن باقي المؤسسات التي تعنى بالإرشاد وشؤون الدعوة والبحوث والإفتاء وما شابه ذلك.
الوقف ودوره في التنمية:
من المعلوم أن أي نظام اقتصادي يهدف إلى تحقيق أمرين:
الأول: الرفاهية الاجتماعية.
الثاني: التنمية الاقتصادية().
وكل نظام من الأنظمة الاقتصادية الموجودة له وسائله المختلفة في تحقيق هذين الهدفين؛ إلا أن النظام الوقفي كان أبرز هذه الأنظمة في استخدام الوسائل التمويلية المناسبة، والاستثمارية الملائمة لحاجات المجتمع؛ حيث عمل على تحقيق التكافل الاجتماعي بين فئاته المتنوعة؛ من خلال وجوه البر المتعددة؛ كالوقف على الذرية والأولاد، أو المساكين والمحتاجين، أو ابن السبيل المنقطع، أو الوقف على المدارس، والمساجد، والمستشفيات، والأراضي والعقارات، والأوقاف للقرض الحسن، والبيوت الخاصة بالفقراء، والمطاعم التي يفرق فيها الطعام للمحتاجين، ووقف بيوت للحجاج بمكة ينزلون فيها وقت الحج، ووقف الآبار؛ بل إنه شمل -أيضًا- الوقف على شؤون الزواج لمن ضاقت أيديهم عن نفقاته، وغير ذلك(). ولا شك أن ذلك كله يحقق تكافلًا اجتماعيًا فريدًا من نوعه؛ ويحل مشكلتان من أهم المشاكل الاقتصادية التي تواجه العالم اليوم، وهما: "الفقر، والبطالة"؛ وذلك بالاتجاه به نحو الاستثمار التجاري الأمثل الذي يجمع بين تحقيق الربح الاقتصادي، وتعميم المنفعة المجتمعية؛ من خلال إقامة منشآت تجارية؛ من مصانع، ومشاغل، ومحال تجارية، مما يستدعي استقطاب عمالة كثيفة لتلبية احتياجات هذه المنشآت التجارية؛ وهذا بدوره يؤدي إلى تشغيل أيدي عاملة كانت في السابق تعاني البطالة وقلة العمل، أو تدريبهم تمهيدًا لتشغيلهم في تلك المصانع والشركات الإنتاجية. وبذلك يكون الوقف قد ساهم في علاج الفقر بنوعيه: فقر الدخل، وفقر القدرة.
وهذا ما تسعى إلى تحقيقه بلادنا المباركة -المملكة العربية السعودية- متمثلًا في نظام الهيئة العامة للأوقاف، الصادر بقرار من مجلس الوزراء رقم (73)، بتاريخ 25/2/1437هـ، والمصدَّق عليه بالمرسوم الملكي رقم (م/11)، بتاريخ 26/2/1437هـ، ويعتبر هذا الكيان مصدر فخر لبلادنا؛ فهو يرعى شعيرة من شعائر الإسلام، ويُسهم في ازدهار اقتصاد البلاد والعباد.
يتبع ...................
الوقف.. رؤية اقتصادية
(2-3)
الوقف في المملكة العربية السعودية
تُعَدُّ المملكة العربية السعودية من الدول الرئيسة في احتضانها للأوقاف؛ حيث تضم أقدم الأوقاف على مستوى العالم الإسلامي؛ سواء من حيث الكمية العددية، أو القيمة المالية، ويرجع ذلك إلى التراكم المتوالي للأوقاف طوال العقود الماضية على أرض الحرمين الشريفين. وقد مرَّت على هذه الأوقاف فترات مد وجزر؛ وفق الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ مثلما مرَّ على غيرها من بلاد المسلمين.
ولكن الواقع الآن يدل على أن هناك تناسبًا طرديًا بين تحسن الأحوال المادية وبين ازدياد الأوقاف، فهذا الكم العددي الهائل، والتنوع الكيفي الرائع من الأوقاف في المملكة، أوجد بالضرورة مزيد عناية من قِبل الدولة -وفقها الله- بهذه الشعيرة، تنظيمًا، وتشريعًا، وإدارة، وإشرافًا؛ فضلًا عن التوجه العام في المملكة الذي ساد العديد من دول العالم الإسلامي لإحياء دور الوقف في الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والصحية.
لذلك.. نسلط الضوء على واقع الوقف في المملكة العربية السعودية، والدور الذي يقوم به، والجهات المنفذة له، وأنظمته، وإدارته، وتطوره، وإسهاماته المتميزة في تحقيق التنمية المستدامة.
الجهات المشرفة والمنظمة للأوقاف:
يقوم على رعاية وتنظيم قطاع الأوقاف في المملكة العربية السعودية الجهات الرسمية، المتمثلة في الهيئة العامة للأوقاف، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ومجالس الأوقاف في الغرف التجارية. وهي تعمل على تطوير العمل الوقفي؛ من خلال سن التشريعات، وتحديد اللوائح والأنظمة، وإنشاء الجمعيات الخيرية، ودعمها وتشجيعها، والإشراف عليها، وتطويرها.
وتستفيد من هذه الجهات جميع المؤسسات المانحة، والهيئات والجمعيات الخيرية، والمراكز البحثية المهتمة بشؤون الأوقاف، والمراكز الطبية التخصصية، والجامعات.
المؤسسات أو الكيانات الوقفية:
وهي ما تُعرف بـ"المؤسسات الأهلية" - في نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الجديد والأخير الصادر في عام 1437هـ بالمرسوم الملكي رقم (م/8)؛ وذلك في 19/02/1437هـ، والذي تلاه بأربعة أشهر صدور اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، الصادر بقرار وزاري رقم (73739) في 11/06/1437هـ-، والتي تعمل على توليد رأس المال الوقفي؛ لتحقيق غرض أو أكثر من أغراض النفع العام أو المخصص؛ من خلال تغذية مصارفها الخيرية، وبناء أذرعها الاستثمارية، وشركاتها الوقفية؛ مع الاشراف على صرفها، ومتابعة إنفاقها فيما خصصت له.
وتختلف المؤسسات أو الكيانات الوقفية عن الكيانات الخيرية (مكاتب خيرية، مؤسسة مانحة للصرف فقط، مسؤولية مجتمعية) بأنها تتعامل مع إنشاء الوقف وإدارته بطريقة مؤسسية، بينما الكيانات الخيرية مهمتها أقل من ذلك؛ فهي تقوم بتقديم الدعم الإنساني والمجتمعي، وتسهم في إيصال موارد الأوقاف إلى المحتاجين فقط.
وتتميز هذه المؤسسات بإدارتها العصرية، ورؤيتها المستقبلية، واستثماراتها الحديثة، وتنوع مواردها المالية الضخمة؛ التي تمكنها من دعم مختلف المشروعات الخيرية النوعية، وتقديم المنح والتبرعات للأفراد والمؤسسات والجمعيات الخيرية؛ التي لا تتوافر لديها أصول وقفية.
ومن أبرز تلك الكيانات الوقفية: مؤسسة الملك عبد العزيز (أوقاف الحرمين)؛ حيث يبلغ رأسمالها ملياري دولار (7.5 مليارات ريال)، وتبلغ قيمتها السوقية نحو 7.5 مليارات دولار. ويتكون الوقف من 7 أبراج عملاقة متلاصقة، بارتفاعات مختلفة، بمجموع 282 دورًا، تحوي 10970 وحدة سكنية، وتستوعب عددًا كبيرًا من الزوار والضيوف يبلغ 65.000 نسمة، ويمتد المشروع على أرض مساحتها مليونًا و500 ألف متر مربع، واستثمارات تتجاوز 2 مليار دولار، ووجود مركز تجاري ضخم؛ بالإضافة إلى أسواق مركزية أخرى، ومنطقة مطاعم. ويعود ريع الوقف على مصالح وخدمة الحرم المكي الشريف().
ومن الأوقاف المشهورة أيضًا: أوقاف الشيخ صالح الراجحي، والتي بدأ نشاطها عام 1417هـ، وكان حجمها المادي يساوي مليارًا وربع المليار ريال، وبلغ مجموع ما صُرف على مشروعات هذا الوقف بين سنتي 1418هـ، و1431هـ نحو 400 مليون ريال.
وتتوزع استثمارات أوقاف صالح الراجحي على قطاعات رئيسة، هي: القطاع الاستثماري، والقطاع العقاري، والقطاع الزراعي. وتتعدد مصارفها على أنماط، من بينها: نشر القرآن وتعليمه، والإسهام في دعم العمل الدعوي، ودعم الأسر المنتجة، والتوعية والوقاية من المخدرات؛ إضافة إلى مجالات البر الأخرى.
كذلك أوقاف ومؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية، فهي إحدى الكيانات الوقفية في المملكة العربية السعودية، والتي تقدم الدعم المادي والعيني للجهات والمؤسسات الخيرية غير الربحية المسجلة في المملكة العربية السعودية، وفق آلية معتمدة؛ لدعم المشروعات؛ ووفقًا لأهداف محددة.
ولاستدامة هذا الكيان؛ قرّر الشيخ سليمان الراجحي وقف جزء كبير من ثروته يتمثّل في أصول شركات كبرى وعقارات؛ وفق نظام حديث ومبتكر لإدارة هذا الوقف الذي يُعدُّ من أضخم الأوقاف الشخصية في تاريخ العالم الإسلامي.
وتتنوع استثمارات أوقاف سليمان الراجحي لتشمل: الاستثمار في السوق المالية المحلية، والاستثمار العقاري، والاستثمار المباشر، وملكيات العقارات، والاستثمار الدولي، والاستثمار الغذائي والحيواني. كما تتركز المصارف الخيرية لأوقاف سليمان الراجحي في مجالات التعليم، والصحة، والدعوة، والاجتماع، ودعم المؤسسات غير الربحية في عدة مجالات. كما أنها تهتم ببناء المساجد والجوامع وصيانتها().
حجم الأوقاف في المملكة:
من المعلوم أن حجم الأوقاف في المملكة العربية السعودية يُعد الأضخم في العالم الإسلامي؛ وبناءً على التقديرات المتوافرة فإن المجال الوقفي في المملكة في ارتفاع مطَّرد؛ لكن من الصعب تحديد حجم الأوقاف بدقة؛ وذلك لعدم وجود قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها، أو تقارير رسمية تثبت حجمها، أو دراسات ميدانية توضح عددها. وهذه من التحديات التي تواجه الهيئة، وتعمل على حلها في غضون السنوات المقبلة، ومؤخرًا قامت ببناء قواعد بيانات لأكثر من 8500 وقف، وتحديد أرصدتها، وإيراداتها، وشروط الواقفين. ويبلغ إجمالي عدد أعيان الأوقاف التي تحت نظارة الهيئة قرابة 29.507 وقفًا، مصنفة كالتالي:
وهي موزعة على مناطق مختلفة من المملكة.
ويعتبر أول تصريح يعلن مؤخرًا عن حجم الأوقاف العامة في المملكة العربية السعودية هو ما أفصحت عنه وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في المؤتمر الإسلامي للأوقاف في دورته الأولى في مكة المكرمة، والمنعقد في الفترة من 17-19 محرم 1438هـ؛ حيث أوضحت أن حجم الأوقاف العامة تقدر بنحو 54 مليار ريال؛ وحتى هذا التقدير الأخير متحفظ عليه؛ لأنه لم يستند إلى إحصاء شامل ودقيق لحجم الأوقاف، ووفقًا للتقدير الأخير فإن حجم الأوقاف العامة الخاضعة لإدارة الهيئة العامة للأوقاف تقدر بحوالي 14 مليار ريال، بينما تقدر قيمة الأوقاف التي تحت إدارة جهات أخرى بمبلغ 40 مليار ريال، ويتركز 80% من هذه الأوقاف في أراضي ومباني تقع في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة().
العوائد الاستثمارية للأوقاف:
على الرغم من الحجم الكبير للأوقاف في المملكة العربية السعودية؛ إلا أن عوائدها منخفضة جدًا، ولا تتجاوز 5% من حجم الأصول، وبحسب دراسة لقطاع الأوقاف؛ فإن 54% من الأوقاف في المملكة أراضٍ بيضاء، لا يأتي منها دخل؛ إضافة إلى أن ثلاثة أرباع الأوقاف الموجودة متهالكة.
وبحسب آخر إحصائية رسمية، قُدّرت قيمة عوائد الأوقاف بنحو 325 مليون ريال، وحلَّت مكة المكرمة في المرتبة الأولى، بعوائد مجموعها 92 مليون ريال، وأتت المدينة المنورة ثانيًا، بعوائد مجموعها 84 مليون ريال من قيمة عوائد الأوقاف، وحلَّت جدة ثالثًا بما قيمته 63 مليون ريال في صورة عوائد وقفية().
هيئة الأوقاف ورؤيتها للنهوض بالوقف:
كان الغرض من تأسيس الهيئة العامة للأوقاف، هو: "تنظيم الأوقاف، والمحافظة عليها، وتطويرها، وتنويع مصارفها، وتنميتها بما يحقق شروط واقفيها، ويعزز دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتكافل الاجتماعي؛ وفقًا لمقاصد الشريعة الإسلامية والأنظمة"().
وقد اشتمل النظام الجديد للهيئة على بعض أدوات الحوكمة؛ لتعزيز الأداء وتطويره؛ من خلال تشكيل أجهزة رقابة داخلية، ومنح الهيئة الاستقلالية الإدارية والمادية للاضطلاع بدورها، والنهوض بهذا القطاع الحيوي المهم؛ حتى يسهم في تحقيق تطلعات "رؤية المملكة 2030".
ومما يميز نظام الهيئة العامة للأوقاف الصادر بقرار من مجلس الوزراء رقم (73) بتاريخ 25/2/1437هـ ما ورد في:
المادة الرابعة:
1) تشرف الهيئة على جميع الأوقاف العامة، والخاصة (الأهلية)، والمشتركة، وفقًا لما ورد في الفقرة (5) من المادة (الخامسة) من هذا النظام.
2) تشرف الهيئة على أعمال النظار الذين يعينهم الواقفون في حدود ما تقضي به الأنظمة، وبما لا يخالف شروط الواقفين، أو يدخل في أعمال النظارة.
المادة الخامسة:
تتولى الهيئة المهمات الآتية:
1) تسجيل جميع الأوقاف في المملكة بعد توثيقها.
2) حصر جميع الأموال الموقوفة، وبناء قاعدة معلومات عامة عنها.
3) النظارة على الأوقاف الآتية:
4) إدارة الأوقاف التي يكون لها ناظر غير الهيئة، وذلك بناء على طلب الواقف، أو الناظر.
5) الإشراف الرقابي على أعمال النظار، واتخاذ الإجراءات النظامية لتحقيق أهداف الوقف دون الدخول في أعمال النظارة.
وتشير هاتين المادتين للهدف العام من الهيئة العامة للأوقاف، كما توضح بعضًا من مجالات عملها التي تشمل جميع ما يتعلق بالوقف: تسجيلًا؛ وإحياء؛ ورقابة؛ ومتابعة، وغير ذلك؛ مما يضمن تحقيق شروط الواقفين، وعدم مخالفة الأنظمة المرعية والقواعد الشرعية؛ مع الالتزام بعدم الدخول في أعمال النظارة للأوقاف الذي اشترط الواقف النظارة لشخص أو جهة غير الهيئة.
وانطلاقًا من هذا الدور المنوط بالهيئة؛ فإنها عملت على رسم استراتيجيتها، والتي تضمنت 5 ركائز، و12 هدفًا استراتيجيًا، و34 مبادرة، و35 مؤشرًا لقياس الأداء؛ حيث اشتملت كل مبادرة على مجموعة من البرامج والمشاريع التنموية سيتم السعي لتنفيذها. وهذه هي الركائز الاستراتيجية التي تقوم عليها الهيئة():
وبما أن قطاع الأوقاف من القطاعات المهمة؛ فإنه لم يغب عن رؤية المملكة العربية السعودية 2030؛ حيث أشارت إلى أن الهيئة يناط بها دور رئيس في تحقيق الاستدامة للقطاع غير الربحي، كما أن "رؤية 2030" استهدفت رفع مساهمة الوقف في الناتج المحلي الإجمالي من 1% إلى 5%. وهذا يؤكد أن "الرؤية" تعمل على تفعيل موارد الدولة، والارتقاء بأدائها. ومن أجل تحقيق هذه النسبة التي استهدفتها الرؤية؛ فإن الهيئة تحتاج إلى استنهاض الهمم، واستنفار الجهود، وبذل الطاقات؛ في واسع أرجاء المملكة؛ لحصر الأوقاف بها، والوقوف على سبل تفعيلها، والوسائل المشجعة والمنظمة لها؛ لأنها تشكل ركيزة مهمة، ودورًا رئيسًا في اقتصاد المملكة.
يتبع ....................
الوقف.. رؤية اقتصادية
(3-3)
الوقف ودوره الاقتصادي في التنمية المستدامة
وضعت بعض الدول حلولًا مختلفة ومتنوعة ضمن ما عُرف بـ"برامج الإصلاح الاقتصادي"؛ لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، والتخفيف من حدتها؛ لكن لم تجد تلك الحلول طريقها للتنفيذ بالكامل؛ بل تم تنفيذها بعضها بشكل مشوه؛ مما أدى إلى تفاقم المشاكل المقترنة بتلك التحديات، وتحول بعضها إلى أزمة مزمنة لبعض الدول.
وفي هذا الإطار.. فإن التحسين الشامل، والتطبيق الفعال للحلول المطروحة، يتطلب مسؤولية مشتركة بين القطاعات الثلاث: الحكومي، والخاص، وغير الربحي؛ من أجل النهوض بالمجتمع وازدهاره، وتحقيق أهداف الخطة التنموية الموجهة لتحسين الأوضاع الاقتصادية. ولعل "الوقف" هو حلقة الوصل الفعالة بين تلك القطاعات.
الوقف وحقيقته الاقتصادية:
الوقف هو عملية تجمع بين الادخار والاستثمار معًا، فهي تتألف من اقتطاع أموال عن الاستهلاك، ثم تحويلها إلى استثمار؛ بهدف زيادة الثروة الإنتاجية في المجتمع. وهو ما عبَّر عنه الفقهاء عند تعريفهم للوقف بأنه: "حبس الأصل، وتسبيل المنفعة"، أي: أن يبقى رأس المال محفوظًا؛ مع إضافة أرباح إضافية عليه. وهو ما يُعرف -الآن- بمصطلح "التداول"، أي: حركة وانتقال للمال، ومنع تجميده وثبوته في موضع واحد؛ بحيث لا يستفاد منه().
فالوقف في مضمونه الاقتصادي: عملية تنموية، وثروة إنتاجية. فلا يباع، ولا يستهلك، ويحرم الانتقاص منه، أو التعدي عليه، كما يمنع تعطيله عن الاستثمار. فهو إذن ثروة تراكمية، تزيد يومًا بعد يوم؛ بحيث تضاف -دائمًا- أوقاف جديدة إلى ما هو موجود من أوقاف قديمة.
ومن أجل تنمية الأوقاف، واستثمارها، وتوظيف ريعها في خدمة الأهداف التنموية للنهوض بالمجتمع، في كافة مجالاته، تم استحداث طرق وأساليب استثمارية عصرية، من ذلك: الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية، والأسهم والسندات، والوحدات في الصناديق الوقفية، والوقف الالكتروني. وهي أشكال حديثة تنسجم مع حقيقة المضمون الاقتصادي للوقف. وقد عُرضت هذه الصيغ على مجامع الفقه الإسلامي، ووضعت لها تلك المجامع الضوابط الشرعية التي تحكم التعامل معها.
الوقف ودوره في التنمية الاقتصادية:
اهتم المختصون بالوقف بربطه بكل ما هو جديد في عالم الاقتصاد؛ من أجل الانفتاح على صيغ أكثر نفعًا، وأضمن استمرارية للصدقة الجارية، ولا شك أن هذا الانفتاح كان له الأثر البالغ في التنمية الاقتصادية للمجتمعات. وفيما يلي نعرض بشيء من الإيجاز لدور الوقف في هذه التنمية:
1- يعمل الوقف على تعزيز الموازنة العامة للدولة؛ من خلال تكفله بكثير من النفقات التي تثقل كاهل الدولة، وتعد في الوقت نفسه من أهم العوامل التي ترقى بالأمة إلى ركب الحضارة والتطور.
2- يسهم الوقف في العملية الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، والتخفيف من عجز الموازنة، وتنشيط التجارة الداخلية والاقتصادية والبنية التحتية في الكثير من المناطق، وكذلك دوره في تخطيط المدن وإنشائها.
3- يعمل الوقف على إيجاد مصادر دخل للفقراء والمساكين والعاجزين عن العمل والأرامل والأيتام وغيرهم من المحتاجين؛ مما يغطي حاجاتهم الأساسية، وهذا ما يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة لهذه الفئات من المجتمع؛ مما قد يزيد من إنتاجيتهم الاقتصادية.
4- يعمل الوقف على تنمية رأس المال البشري؛ من خلال توفير يد عاملة متخصصة ومتنوعة في مجالات مختلفة بتنويعه لأشكال الوقف والجهات الموقوف عليها().
وسائل النهوض بالأوقاف:
لابد من رسم الخطوات اللازمة لتنمية الأوقاف واستثمارها، واستعادة صحتها في ضوء الواقع المعاصر؛ من خلال منظور علمي وعملي، تتسع فيه الرؤية المستقبلية؛ لتشمل كل الظروف البيئية ومقتضياتها، وقابلية نظام الوقف للتفاعل مع سياسات الإصلاح الاقتصادي، والتي أصبحت الآن ضرورة حتمية. ويمكن أن نلخص الخطوات العامة التي نعتقد أنه لابد منها في هذا السبيل على النحو التالي:
1- حماية أصول الأوقاف، والمحافظة عليها من الغصب والضياع والتعطيل، وحفظ سجلاتها.
2- مراجعة السجلات القديمة للأوقاف؛ لتحديد الأملاك الوقفية، وتسجيل ما يحتاج إلى توثيق رسمي، وإعادة ما كان غائبًا، أو تم الاستيلاء عليه.
3- رفع الكفاءة الإنتاجية للأموال الوقفية إلى حدها الأمثل؛ من أجل توفير أكبر قدر من الإيرادات؛ للأغراض التي حبست من أجلها.
4- تسهيل الإجراءات النظامية، وتقديم الدعم والتسهيلات؛ من خلال تطوير التشريعات التي تحكم العمل الوقفي، وإعفاءه من الضرائب والرسوم.
5- الوقوف على أصول مشكلات الأوقاف، والعمل على حلها بصورة فعلية. وضابط معرفة المشكلة الوقفية: أن تكون سببًا رئيسًا في انحسار الوقف وتراجعه، أو عائقًا دون نهوضه.
6- إعادة النظر في فقه الوقف الموروث، والخروج به من إطاره التنظيمي التنظيري إلى الواقع العملي التفعيلي؛ بحيث يتم الانفتاح على العصر انفتاحًا متوازنًا بين الثوابت الأصيلة، والمتغيرات الحضارية، والتعامل مع الأوقاف برؤية جديدة لم تكن موجودة في الماضي، أو لم تكن الحاجة تدعو إليها.
7- ابتكار أنواع جديدة من الوقف؛ سواء من حيث الفكرة، أو التكوين، أو الاستثمار، أو أهداف الواقفين؛ بما يحقق المردود الأفضل للمجتمع وشرائحه المختلفة.
القطاع الوقفي ودوره في تحقيق رؤية المملكة 2030:
رؤية المملكة العربية السعودية 2030: هي رؤية شاملة، أطلقتها المملكة العربية السعودية لتكون خارطة طريق واضحة المعالم، أُعدت لتسير بالمملكة نحو مستقبل مشرق في جميع المجالات التنموية، بما يمكّن جميع مكونات الدولة -البشرية والمادية- في العشر السنوات المقبلة من السير وفق خطط مدروسة. وهي تقوم على ثلاث مرتكزات: العمق العربي والإسلامي، قوة استثمارية رائدة، محور ربط القارات الثلاث. وينبثق من هذه المرتكزات ثلاث محاور، وهي: المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح. وهذه المحاور تتكامل وتتسق مع بعضها البعض في سبيل تحقيق أهداف الرؤية، والاستفادة من مرتكزاتها.
وقد رسمت الرؤية التوجهات والسياسات العامة للمملكة، والأهداف والالتزامات الخاصة بها؛ لتكون المملكة نموذجًا رائدًا على كافة المستويات. كما اشتملت على عدد من الأهداف الاستراتيجية، والمستهدفات المحددة، والمبادرات اللازمة لتحقيقها بشكل سنوي؛ مع وضع خطط تفصيلية لها، تعتمد على مؤشرات مرحلية لقياس الأداء ومتابعته، والنتائج وأثرها. ويشترك في تحقيق ذلك، والعمل عليه؛ كل من القطاع العام، والخاص، وغير الربحي().
ويأتي دور القطاع الوقفي مهمًا في تحقيق رؤية المملكة 2030؛ باعتباره شريكًا في تحقيق أهداف التنمية والتطوير الذي تسعى إليه المملكة، وكونه أحد الدعائم الرئيسة لتوفير مصادر تمويل مناسبة تساند القطاع الحكومي، وتحميه من التقلبات الاقتصادية ومشكلاتها. وهذا يستدعي -بالضرورة- تفعيل هذا القطاع في تحقيق التنمية المستدامة؛ من خلال: التوسع في قطاعه، وبناء الشراكات، وتأهيل وتدريب الكوادر البشرية. وهذا ما تضمنته الرؤية.
كما تهدف الرؤية أيضًا إلى تخفيض معدل البطالة من (11.6%) إلى (7%)؛ بتوفير فرص العمل للشباب والخريجين في مجالات غير القطاع الحكومي، والوصول إلى مليون متطوع في القطاع غير الربح سنويًا، ورفع مساهمة القطاع غير الربحي في إجمالي الناتج المحلي من أقل من (1%) إلى (5%)، والوصول بمساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي من (40%) إلى (65%).
ويمكن للقطاع الوقفي تحقيق رؤية المملكة 2030 في المجال الاقتصادي على النحو التالي:
1- إعطاء دور أكبر للقطاع الوقفي في الاقتصاد الوطني؛ لرفع الكفاءة الإنتاجية؛ من خلال فعالية التشغيل، ومهارة الإدارة.
2- وضع خطة استراتيجية للقطاع الوقفي، تلبي احتياجات المجتمع السعودي؛ من خلال تحديد أساليب التعامل مع المخاطر الموجودة، واستثمار الموارد البشرية والمادية، ووضع خارطة ورؤية مستقبلية لتحقيق التنمية والتطوير؛ بحيث تتضمن أهدافًا قصيرة الأجل، وأخرى طويلة الأمد.
3- تعميق الشراكة بين القطاعات الثلاث: الوقفي، والحكومي، والخاص؛ من أجل التنمية المستدامة، وتخفيف الأعباء المالية التي قد تعيق الدولة، وتحسين الخدمات المقدمة، وخلق فرص عمل جديدة.
4- إنشاء وحدة إعلامية خاصة بالقطاع الوقفي؛ لنشر ثقافته، ومجالاته، وأساليبه، والأدوار التي يقوم بها، وأثره في التنمية المجتمعية.
5- وضع آلية لرصد أعمال القطاع الوقفي، والمراقبة، والتقويم؛ وفق المعايير الدولية.
والله الموفق والمسدد للنهوض بهذا القطاع المهم.. ودمتم في رعاية الله وأمنه،،
إبراهيم بن علي المحسن
رئيس مجلس الأوقاف بغرفة الخرج
ibrahimmohssn@gmail.com